محمد متولي الشعراوي

5919

تفسير الشعراوى

والإنسان - كما خلقه اللّه تعالى - صالح لأن يؤمن ، وصالح لأن يكفر ، فإرادته هنا تتدخل ، لكن أبعاضه مؤمنة عابدة مسبحة ، فاللسان الذي قد ينطق الكفر ، هو في الحقيقة مؤمن مسبّح ، حامد ، شاكر ، لكن إرادة الإنسان التي شاءها اللّه - سبحانه - متميزة بالاختيار قد تختار الكفر - والعياذ بالله - فينطق اللسان بالكفر . وقد تأتمر اليد بأمر صاحبها ؛ فتمتد لتسرق ، أو تسعى الأقدام - مثلا - إلى محل احتساء الخمر ، ولكن هل هذه الفاعلات راضية عن تلك الأفعال ؟ لا ، إنها غير راضية « 1 » ، إنما هي خاضعة لإرادة الفاعل . وحين يسأل السؤال : من يبدأ الخلق ثم يعيده ؟ فاللسان بفطرية تكوينه المؤمنة يريد أن يتكلم ؛ لكنه لا يملك إرادة الكلام ، فيبين الحق سبحانه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يجيب نيابة عن الأبعاض المؤمنة ، فيقول سبحانه : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ . . ( 34 ) وهو بذلك يؤكد الصيغة ، ويكفى أن يقول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم هذا القول مبلّغا عن ربه ، وينال هذا القول شرف العندية : قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 34 ) . والإفك : هو الكذب المتعمّد ، وهو الافتراء ، وهناك فارق بين الكذب غير المتعمد والكذب المتعمد ، فالكذب غير المتعمد هو من ينقل ما بلغه عن غيره حسبما فهم واعتقد ، وهو لون من ألوان الكذب لا يصادف الحق ، ويتراجع عنه صاحبه إن عرف الحق . أما الافتراء فهو الكذب المتعمد ، أي : أن يعلم الإنسان الحقيقة

--> ( 1 ) بدليل أنها ستأتي يوم القيامة وتصبح هي الشاهدة على الإنسان ، يقول سبحانه : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 24 ) [ النور ] .